المدونة

الزراعة في عسير.. تنوّع جغرافي يعزّز الإنتاج ويواكب مستهدفات الاستدامة

تُعدّ منطقة عسير من أبرز المناطق الزراعية في المملكة العربية السعودية؛ لما تتميز به من تنوّع جغرافي ومناخي أسهم في تكوين بيئات إنتاجية متعددة، تمتد من قمم جبال السروات الشاهقة إلى الأودية الخصبة والسهول المنبسطة، مما أتاح زراعة محاصيل متنوعة على مدار العام، وجعل من الزراعة ركيزةً أساسية في الاقتصاد المحلي ومكوّنًا أصيلًا في الهوية الثقافية والسياحية للمنطقة.
ويشكّل الموقع الجغرافي لعسير عاملًا محوريًا في هذا التنوع، إذ تحتضن المحافظات الجبلية، مثل رجال ألمع وبلقرن والنماص وتنومة وسراة عبيدة وظهران الجنوب وبلقرن وأحد رفيدة، إلى جانب مراكز السودة وبلحمر وبلسمر، مناخًا باردًا نسبيًا مع معدلات أمطار أعلى مقارنة بغيرها، مما يجعلها بيئة ملائمة لزراعة الفواكه المعتدلة والمحاصيل النوعية، فيما تبرز المدرجات الزراعية (المصاطب الحجرية) بوصفها نموذجًا هندسيًا تقليديًا يعكس خبرة الإنسان في التكيّف مع الطبيعة، حيث تُبنى على هيئة مصاطب متدرجة تحفظ التربة من الانجراف، وتُسهم في استثمار مياه الأمطار، محوّلةً المنحدرات إلى مساحات زراعية منتجة ذات كفاءة عالية.
وفي المقابل، تمتد الأنشطة الزراعية إلى المناطق ذات الطبيعة المتوسطة والمنخفضة والأقل برودة، حيث تسود أجواء أكثر اعتدالًا تميل إلى الدفء، وصولًا إلى المناطق السهلية ذات المناخ الأكثر حرارة ورطوبة نسبيًا في محافظات السهول مثل محايل عسير والمجاردة وبارق والفرشة، ما يهيّئ بيئات زراعية متنوعة تسهم في تنوع الإنتاج.
وتدعم هذه الظروف زراعة الحبوب مثل الذرة الرفيعة والقمح والشعير والدخن، والخضروات مثل الطماطم والخيار والباذنجان والفلفل، والفواكه الموسمية مثل المانجو والتين والعنب، إضافة إلى البن في بعض المواقع الملائمة، لا سيما في الأودية والمناطق السهلية التي تتميز بخصوبة التربة وتوفر المقومات الزراعية، سواء بالأساليب التقليدية أو الحديثة، بما يعزز تنوع المحاصيل واستدامة الإنتاج الزراعي في المنطقة، وخاصة المحافظات الجبلية.
وتُعدّ الذرة من أبرز المحاصيل التقليدية في عسير، حيث تنتشر زراعتها في القرى الجبلية والسهول التهامية اعتمادًا على مياه الأمطار، إلى جانب أساليب الزراعة التقليدية المعتمدة على مياه الآبار، مما يجعلها نموذجًا لزراعة متكيّفة مع المناخ وذات كفاءة مائية مرتفعة، وأسهمت برامج الدعم الزراعي في رفع إنتاجية الحيازات الصغيرة وتعزيز القيمة الاقتصادية للمحاصيل المحلية، بما أعاد إحياء ممارسات زراعية متوارثة عبر الأجيال.
واشتهرت المنطقة، وخاصة جبال السروات، بإنتاج أنواع من الفاكهة ذات الجودة العالية، من أبرزها العنب الذي يُعد من المحاصيل الصيفية المهمة في المرتفعات، إلى جانب التوسع في زراعة الفراولة التي شهدت انتشارًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة بفضل ملاءمة المناخ وتبني التقنيات الحديثة في الزراعة.
وشهدت زراعة البن كذلك عودةً لافتة بعد تراجعها في فترات سابقة، حيث أسهم الدعم الحكومي في إعادة انتشار مزارع البن في عدد من المحافظات، خاصة رجال ألمع والفرشة، بما يعزز حضور هذا المحصول بوصفه أحد المنتجات الزراعية الواعدة ذات القيمة الاقتصادية والثقافية.
كما تزخر منطقة عسير بإرث زراعي قديم يعكس عمق التجربة الزراعية في المنطقة وتكيّف الإنسان مع بيئته الجبلية، حيث عُرفت محليًا مسميات لأنماط الزراعة التقليدية بحسب طبيعة الأرض ومصدر المياه ونوع الري، ومن أبرزها: العنثري، والسيلي، والمسقي، والمرابيع، والضامري، والمدرّج، والفيضي، والآبارية.
وتمثل هذه الأنماط جزءًا أصيلًا من الموروث الزراعي الذي ارتبط بالمدرجات الزراعية والوديان والسهول، ويعكس تنوع الأساليب التي اعتمدت على الأمطار أو السيول أو الآبار أو الري اليدوي، ويؤكد خبرة المزارعين في تكييف الزراعة مع تضاريس عسير عبر الأجيال.
كما تُعد محاصيل البر من المحاصيل الزراعية التقليدية المهمة في المنطقة، وتشمل القمح والشعير، حيث شكّلت عبر التاريخ مصدرًا غذائيًا أساسيًا للسكان، وزُرعت في المرتفعات والسهول بحسب توفر المياه وخصوبة التربة، ولا تزال تحظى باهتمام زراعي ضمن منظومة المحاصيل المحلية.
ومع دخول التقنيات الحديثة، شهد القطاع الزراعي تحولًا نوعيًا تمثّل في التوسع في استخدام البيوت المحمية وأنظمة الري المتقدمة، مما أسهم في زيادة الإنتاجية ورفع كفاءة استخدام المياه.
وأصبحت المنطقة تنتج كميات متنامية من الخضروات والفواكه الموسمية، إلى جانب محاصيل اقتصادية واعدة، مع توجه متزايد نحو تطوير الصناعات الزراعية المرتبطة بالمحاصيل المحلية، عبر إنتاج الدقيق البلدي والمنتجات الغذائية المتخصصة والأعلاف، بما يعزز القيمة المضافة ويرتقي بسلاسل الإمداد.
وعلى الرغم من هذا التنوع، تواجه الزراعة في عسير تحديات، من أبرزها الاعتماد على مياه الأمطار ومحدودية الموارد المائية، إلى جانب التغيرات المناخية، إلا أن المبادرات التنموية أسهمت في الحد من هذه التحديات من خلال دعم تقنيات الري الحديثة، وتطوير الزراعة العضوية، وتنفيذ برامج تُعنى بالمدرجات الزراعية وحصاد مياه الأمطار، إلى جانب دعم الجمعيات التعاونية وتسويق المنتجات المحلية وربطها بالأسواق.
وفي سياق متصل، برزت السياحة الزراعية رافدًا اقتصاديًّا واعدًا، حيث تحولت المزارع، لا سيما في المرتفعات، إلى وجهات سياحية تستقطب الزوار للاستمتاع بالطبيعة والتجارب الريفية وتذوق المنتجات الطازجة، مما أسهم في تعزيز دخل المزارعين وربط النشاط الزراعي بالقطاع السياحي.
ويُتوقع أن تتعزز مكانة عسير الزراعية خلال السنوات المقبلة في ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تولي القطاع الزراعي اهتمامًا متزايدًا ضمن منظومة الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، حيث تمضي المنطقة نحو تحقيق التوازن بين المحافظة على إرثها الزراعي العريق وتبنّي أحدث الممارسات والتقنيات، لتظل نموذجًا حيًا للاستدامة، ومصدرًا متجددًا للإنتاج والعطاء.

المصدر: واس (18 أبريل 2026م)

مقالات ذات صلة

0 0

طائر الحبّاك في عسير... دقة هندسية وسلوك مدهش في موسم التكاثر

2026-06-05 اخبار

في أعالي الأشجار وعلى أطراف الأودية والمزارع بمنطقة عسير، تتجلى واحدة من أروع الظواهر في عالم الطيور, هناك يظهر طائر الحبّاك بلونه الأصفر الذهبي، حاملًا في منقاره خيطًا من العشب الأخضر ليبدأ بناء عشٍ جعله من أمهر البنّائين في الطبيعة.
ومع موسم التكاثر، يجمع الذكر الأعشاب الطرية والألياف النباتية وخاصة بعد هطول الأمطار، ثم يختار غصنًا مرتفعًا وآمنًا ليشرع في بناء عش قد يحدد فرصته في جذب شريكة حياته.
ويشير كتاب "الطيور المتكاثرة في شبه الجزيرة العربية" الصادر عن مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية عام 2016م، إلى أن ذكر الحباك يبدأ بتثبيت حلقة حول الغصن تشكل أساس البناء، ثم ينسج الأعشاب بدقة مستخدمًا منقاره وأرجله حتى تتكون بنية تشبه سلة معلقة.
ومع اكتمال النسج، تتحول البنية إلى غرفة متماسكة ذات مدخل سفلي مميز يوفر حماية أكبر للبيض والفراخ من المفترسات والعوامل الجوية.
وفي كل موسم، تزين طيور الحبّاك الأشجار بعشرات الأعشاش في مشهد يجمع بين الجمال والدقة الهندسية، مؤكدة أن الطبيعة ما تزال تزخر بنماذج مدهشة تحوّل أعواد العشب البسيطة إلى مساكن متقنة، تروي قصة بقاء تبدأ بغصن، وتنتهي بعشٍ يحتضن حياة جديدة.
وتجسد أعشاش طائر الحبّاك مثالًا لافتًا على قدرة الكائنات الحية على التكيف والابتكار من أجل البقاء والتكاثر، فكل التفاصيل الدقيقة لتصميم العش، من موقعه إلى طريقة نسجه ومدخله السفلي، تعكس حلولًا طبيعية تطورت عبر الزمن لمواجهة التحديات وحماية الصغار, ومن خلال هذه المشاهد المدهشة، تتجلى روعة الطبيعة في أبهى صورها، حيث يتحول العشب البسيط إلى بناء هندسي متقن يروي قصة الإبداع والتكيف في عالم الطيور.

المصدر: واس (2 يونيو 2026م)

0 0

رحلة لا تهدأ.. النحلة تنسج حكاية العسل كل يوم في جبال عسير

2026-05-22 اخبار

في اللحظة التي تتمدد فيها خيوط الفجر على جبال عسير، تستيقظ الحياة البرية على إيقاع الطبيعة الخلابة، حين تتفتح الأزهار البرية فوق المرتفعات الجبلية بألوانها المتدرجة، ليبدأ النحل رحلته اليومية بين مراعي "الضرم" و"الطلح" و"الورد البري" و"زهرة الكحلا" و"أقحوان الجبال" والأقسون الشوكي، في مشهد يعكس ثراءً بيئيًا يجعل المنطقة إحدى أبرز البيئات الحاضنة لتربية النحل وإنتاج العسل في المملكة، تزامنًا مع اليوم العالمي للنحل الذي يوافق 20 مايو من كل عام.
ومع انبلاج الصباح على سفوح عسير، تنتشر الأزهار البيضاء والبنفسجية بين النباتات الجبلية، بينما يتحرك النحل بخفة بين البراعم المتفتحة، حاملًا حبوب اللقاح والرحيق في رحلة يومية تؤدي خلالها دورًا محوريًا في تلقيح النباتات واستمرار دورة الحياة الطبيعية، قبل أن يعود مع اقتراب المساء إلى خلاياها محمّلة بخير المراعي الجبلية، لينعكس ذلك على جودة العسل الذي تشتهر به المنطقة.
ويُبرز التنوع النباتي في عسير، المدعوم بالأمطار الموسمية واعتدال الأجواء خلال الربيع، قيمة بيئية وسياحية متنامية، إذ تسهم كثافة الغطاء النباتي وتعدد مصادر الرحيق في دعم التنوع الحيوي وتعزيز استدامة نشاط تربية النحل، إلى جانب ما تمثله المراعي الطبيعية من عامل جذب لعشاق الطبيعة والباحثين عن الجمال البيئي.
وفي إطار الجهود العلمية الداعمة لهذا القطاع، تواصل جامعة الملك خالد عبر مركز أبحاث النحل ومنتجاته تعزيز الأثر البحثي المرتبط بالنحل ومنتجاته، إذ سجّل المركز أكثر من 180 بحثًا علميًا خلال الفترة 2024–2026، إلى جانب ابتكارات وبراءات اختراع في الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الحيوية، وشراكات بحثية عالمية لتعزيز الاستدامة والابتكار.
وحقق المركز حضورًا دوليًا عبر جوائز ومشاركات في معارض الابتكار العالمية، وأسهم في تطوير منتجات صحية وحلول تدعم كفاءة طوائف النحل، فضلًا عن دعمه للسياحة البيئية وسياحة العسل بالمنطقة، وتأهيل الباحثين والكوادر الوطنية في علوم النحل، بما يعكس تكامل الجهود البحثية والبيئية لتعزيز استدامة هذا القطاع الحيوي.
وترسخ هذه الجهود، بالتزامن مع مناسبة اليوم العالمي للنحل، أهمية المحافظة على النحل بوصفه عنصرًا أساسيًا في الأمن الغذائي والتوازن البيئي، وداعمًا رئيسًا للتنوع النباتي الذي تزخر به المرتفعات الجبلية.

المصدر: واس (21 مايو 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق