المدونة

أهالي عسير يستعيدون ذكريات الإفطار في القصور التاريخية

يحرص عدد من الأهالي وكبار السن في منطقة عسير على إحياء ذكرياتهم التي عاشوها في الأجواء الرمضانية قديمًا، وذلك بالعودة إلى منازلهم القديمة والبيوت التراثية والحصون التاريخية، وتخصيص يوم أو عدة أيام خلال شهر رمضان لتناول وجبتي الإفطار والسحور فيها، في مشهد يعيد للأذهان روح البساطة والألفة التي كانت تسود حياة الآباء والأجداد.
وخلال جولة ميدانية لـ"واس" في قصور "آل جرمان" بمركز "يعرى" التابع لمحافظة خميس مشيط بمنطقة عسير، استعاد الأهالي جانبًا من تلك الذكريات المرتبطة بشهر رمضان، حيث يحرصون على الاجتماع في القصور التاريخية التي شهدت تفاصيل حياتهم القديمة، واستحضار ما كان يميز رمضان من عادات اجتماعية وروحانية.
وفي بادرة اجتماعية وثقافية، تم ترميم القصور التاريخية والعناية بها، وتجديد مداخلها وإنارتها، لتكون حاضنةً للفعاليات الاجتماعية واللقاءات الرمضانية، حيث تقام عدد من المناسبات الاجتماعية والرمضانية فيها بحضور كبار السن وتناول وجبتي الإفطار والسحور، إضافة إلى أداء الصلوات جماعة في مسجد القرية القديمة، وتنظيم محاضرات وندوات موجهة للشباب للتعريف بتاريخ المكان وأصالته، وتعزيز ارتباط الجيل الجديد بموروثهم الثقافي والاجتماعي.
وأوضح المواطن راشد علي بن جرمان -أحد أهالي القرية- أن نهار رمضان في الماضي كان يومًا اعتياديًا يمارس فيه الأهالي أعمالهم اليومية، مبينًا أن المزارع يخرج إلى مزارعه، وصاحب الأغنام أو الإبل يرعى مواشيه مع قطعانه، وكل يعمل في مجاله حتى يحين وقت الإفطار.
وأضاف: "كانت الأسرة تجتمع على حبيبات معدودة من التمر والماء واللبن، وإن وجد خبز فهو من المنتجات المحلية كالبر أو الشعير أو الذرة، ويُخبز في التنور أو على الجمر فيما يسمى المرمودة، وكان وجود اللحم في رمضان نادرًا، ثم يجتمع الناس لأداء صلاتي المغرب والعشاء جماعة، وينامون مبكرًا ليستيقظوا مع بداية يوم جديد من أيام الشهر الفضيل".
ويستعيد المواطن محمد رفيع بن رويبع، البالغ من العمر ثمانين عامًا، ذكرياته مع إعلان دخول شهر رمضان، مشيرًا إلى أن الأهالي كانوا يُشعرون الناس بدخول الشهر عبر إطلاق الأعيرة النارية أو متابعة رؤية الهلال من المرتفعات، حيث يجتمع الأهالي في مواقع مرتفعة لمراقبة الهلال وإبلاغ الناس بقدوم الشهر الكريم.
واستحضر "ابن رويبع" في حديثه ما تنعم به المملكة العربية السعودية من نعمة الإسلام والأمن والطمأنينة، مؤكدًا أن هذه الأجواء الإيمانية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع في شهر رمضان ترسخ قيم التكافل والتراحم التي تتجلى بوضوح في ليالي الشهر الفضيل.
من جانبه أكد الشاب عبدالله بن راشد آل جرمان، حرصه وعدد من أبناء جيله على إحياء تراث الآباء والأجداد والمحافظة على تاريخهم وقصصهم التي تحكي معاناتهم وظروف الحياة التي عاشوها، مبينًا أنه يحرص سنويًا على تنظيم إفطار رمضاني في القصور التاريخية، يتخلله إقامة ندوة تاريخية تجمع مختلف شرائح المجتمع، بهدف الحفاظ على تاريخ المكان والتعريف به وتعزيز الوعي بقيمه الثقافية والاجتماعية.
وأشاد المواطن سعد بن ضمك الشهراني بهذه المبادرة، مؤكدًا أن إعادة إحياء القصور التاريخية وتنظيم اللقاءات الرمضانية فيها يسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الأهالي، ويعرّف الأجيال الجديدة بتاريخ قراهم وتراثها العريق، ويجسد أهمية المحافظة على الموروث العمراني والثقافي الذي تتميز به منطقة عسير.
وأوضح أن المجالس في الماضي لم تكن مجرد أماكن للقاء وتبادل الأحاديث، بل كانت مدارس اجتماعية مفتوحة يتلقى فيها الصغار والشباب معارف الحياة من كبار السن، حيث كانت مجالس القرى فضاءات للتعليم والتثقيف والتدريب، يتعلم فيها الأبناء القيم والأخلاق، ويستمعون إلى قصص وتجارب الآباء والأجداد، ويتلقون النصح والإرشاد في شؤون الزراعة والرعي وإدارة شؤون الحياة اليومية.

المصدر: واس (9 مارس 2026م)

مقالات ذات صلة

0 0

الزراعة في عسير.. تنوّع جغرافي يعزّز الإنتاج ويواكب مستهدفات الاستدامة

2026-04-19 اخبار

تُعدّ منطقة عسير من أبرز المناطق الزراعية في المملكة العربية السعودية؛ لما تتميز به من تنوّع جغرافي ومناخي أسهم في تكوين بيئات إنتاجية متعددة، تمتد من قمم جبال السروات الشاهقة إلى الأودية الخصبة والسهول المنبسطة، مما أتاح زراعة محاصيل متنوعة على مدار العام، وجعل من الزراعة ركيزةً أساسية في الاقتصاد المحلي ومكوّنًا أصيلًا في الهوية الثقافية والسياحية للمنطقة.
ويشكّل الموقع الجغرافي لعسير عاملًا محوريًا في هذا التنوع، إذ تحتضن المحافظات الجبلية، مثل رجال ألمع وبلقرن والنماص وتنومة وسراة عبيدة وظهران الجنوب وبلقرن وأحد رفيدة، إلى جانب مراكز السودة وبلحمر وبلسمر، مناخًا باردًا نسبيًا مع معدلات أمطار أعلى مقارنة بغيرها، مما يجعلها بيئة ملائمة لزراعة الفواكه المعتدلة والمحاصيل النوعية، فيما تبرز المدرجات الزراعية (المصاطب الحجرية) بوصفها نموذجًا هندسيًا تقليديًا يعكس خبرة الإنسان في التكيّف مع الطبيعة، حيث تُبنى على هيئة مصاطب متدرجة تحفظ التربة من الانجراف، وتُسهم في استثمار مياه الأمطار، محوّلةً المنحدرات إلى مساحات زراعية منتجة ذات كفاءة عالية.
وفي المقابل، تمتد الأنشطة الزراعية إلى المناطق ذات الطبيعة المتوسطة والمنخفضة والأقل برودة، حيث تسود أجواء أكثر اعتدالًا تميل إلى الدفء، وصولًا إلى المناطق السهلية ذات المناخ الأكثر حرارة ورطوبة نسبيًا في محافظات السهول مثل محايل عسير والمجاردة وبارق والفرشة، ما يهيّئ بيئات زراعية متنوعة تسهم في تنوع الإنتاج.
وتدعم هذه الظروف زراعة الحبوب مثل الذرة الرفيعة والقمح والشعير والدخن، والخضروات مثل الطماطم والخيار والباذنجان والفلفل، والفواكه الموسمية مثل المانجو والتين والعنب، إضافة إلى البن في بعض المواقع الملائمة، لا سيما في الأودية والمناطق السهلية التي تتميز بخصوبة التربة وتوفر المقومات الزراعية، سواء بالأساليب التقليدية أو الحديثة، بما يعزز تنوع المحاصيل واستدامة الإنتاج الزراعي في المنطقة، وخاصة المحافظات الجبلية.
وتُعدّ الذرة من أبرز المحاصيل التقليدية في عسير، حيث تنتشر زراعتها في القرى الجبلية والسهول التهامية اعتمادًا على مياه الأمطار، إلى جانب أساليب الزراعة التقليدية المعتمدة على مياه الآبار، مما يجعلها نموذجًا لزراعة متكيّفة مع المناخ وذات كفاءة مائية مرتفعة، وأسهمت برامج الدعم الزراعي في رفع إنتاجية الحيازات الصغيرة وتعزيز القيمة الاقتصادية للمحاصيل المحلية، بما أعاد إحياء ممارسات زراعية متوارثة عبر الأجيال.
واشتهرت المنطقة، وخاصة جبال السروات، بإنتاج أنواع من الفاكهة ذات الجودة العالية، من أبرزها العنب الذي يُعد من المحاصيل الصيفية المهمة في المرتفعات، إلى جانب التوسع في زراعة الفراولة التي شهدت انتشارًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة بفضل ملاءمة المناخ وتبني التقنيات الحديثة في الزراعة.
وشهدت زراعة البن كذلك عودةً لافتة بعد تراجعها في فترات سابقة، حيث أسهم الدعم الحكومي في إعادة انتشار مزارع البن في عدد من المحافظات، خاصة رجال ألمع والفرشة، بما يعزز حضور هذا المحصول بوصفه أحد المنتجات الزراعية الواعدة ذات القيمة الاقتصادية والثقافية.
كما تزخر منطقة عسير بإرث زراعي قديم يعكس عمق التجربة الزراعية في المنطقة وتكيّف الإنسان مع بيئته الجبلية، حيث عُرفت محليًا مسميات لأنماط الزراعة التقليدية بحسب طبيعة الأرض ومصدر المياه ونوع الري، ومن أبرزها: العنثري، والسيلي، والمسقي، والمرابيع، والضامري، والمدرّج، والفيضي، والآبارية.
وتمثل هذه الأنماط جزءًا أصيلًا من الموروث الزراعي الذي ارتبط بالمدرجات الزراعية والوديان والسهول، ويعكس تنوع الأساليب التي اعتمدت على الأمطار أو السيول أو الآبار أو الري اليدوي، ويؤكد خبرة المزارعين في تكييف الزراعة مع تضاريس عسير عبر الأجيال.
كما تُعد محاصيل البر من المحاصيل الزراعية التقليدية المهمة في المنطقة، وتشمل القمح والشعير، حيث شكّلت عبر التاريخ مصدرًا غذائيًا أساسيًا للسكان، وزُرعت في المرتفعات والسهول بحسب توفر المياه وخصوبة التربة، ولا تزال تحظى باهتمام زراعي ضمن منظومة المحاصيل المحلية.
ومع دخول التقنيات الحديثة، شهد القطاع الزراعي تحولًا نوعيًا تمثّل في التوسع في استخدام البيوت المحمية وأنظمة الري المتقدمة، مما أسهم في زيادة الإنتاجية ورفع كفاءة استخدام المياه.
وأصبحت المنطقة تنتج كميات متنامية من الخضروات والفواكه الموسمية، إلى جانب محاصيل اقتصادية واعدة، مع توجه متزايد نحو تطوير الصناعات الزراعية المرتبطة بالمحاصيل المحلية، عبر إنتاج الدقيق البلدي والمنتجات الغذائية المتخصصة والأعلاف، بما يعزز القيمة المضافة ويرتقي بسلاسل الإمداد.
وعلى الرغم من هذا التنوع، تواجه الزراعة في عسير تحديات، من أبرزها الاعتماد على مياه الأمطار ومحدودية الموارد المائية، إلى جانب التغيرات المناخية، إلا أن المبادرات التنموية أسهمت في الحد من هذه التحديات من خلال دعم تقنيات الري الحديثة، وتطوير الزراعة العضوية، وتنفيذ برامج تُعنى بالمدرجات الزراعية وحصاد مياه الأمطار، إلى جانب دعم الجمعيات التعاونية وتسويق المنتجات المحلية وربطها بالأسواق.
وفي سياق متصل، برزت السياحة الزراعية رافدًا اقتصاديًّا واعدًا، حيث تحولت المزارع، لا سيما في المرتفعات، إلى وجهات سياحية تستقطب الزوار للاستمتاع بالطبيعة والتجارب الريفية وتذوق المنتجات الطازجة، مما أسهم في تعزيز دخل المزارعين وربط النشاط الزراعي بالقطاع السياحي.
ويُتوقع أن تتعزز مكانة عسير الزراعية خلال السنوات المقبلة في ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تولي القطاع الزراعي اهتمامًا متزايدًا ضمن منظومة الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، حيث تمضي المنطقة نحو تحقيق التوازن بين المحافظة على إرثها الزراعي العريق وتبنّي أحدث الممارسات والتقنيات، لتظل نموذجًا حيًا للاستدامة، ومصدرًا متجددًا للإنتاج والعطاء.

المصدر: واس (18 أبريل 2026م)

0 0

جزيرة سِمر.. وجهة فيروزية تخبئ سر عسير العتيق

2026-04-11 اخبار

تُعد جزيرة "سِمر" الواقعة على ساحل منطقة عسير من كبرى الجزر وأجملها؛ لما تتمتع به من شواطئ رملية بيضاء جميلة، وطبيعة متنوعة ملائمة لهواة الصيد والسباحة والغوص.
وترتبط منطقة عسير بقمم السروات الشاهقة والضباب الكثيف والمدرجات الزراعية المعانقة للسحاب، وما أن تنحدر غربًا لتلامس أطراف البحر الأحمر عند سواحل "البرك" و"القحمة"، حتى تنفتح أمامك لوحة بحرية بكر تتوجها جزيرة "سِمر" على بُعد 30 كم من ساحل عسير.
وتنفرد هذه الجزيرة التي تبرز كإحدى كبريات الجزر التابعة للمنطقة، كاسرةً النمطية البصرية حتى لمحيطها الساحلي، بهوية طبوغرافية قوامها الشواطئ الرملية البيضاء الناصعة التي تعانق مياهًا فيروزية شديدة الصفاء، لتبدو كمعزل طبيعي مهيب يتوارى عن صخب التمدن، ويمنح الزائر اتصالًا موثوقًا وعميقًا مع الطبيعة في صورتها الأولى.
ويمثل هذا التكوين الجغرافي الهادئ الذي يقدم مساحة بصرية للاستجمام، علاقة بيئية بالغة التعقيد والأهمية؛ فجزيرة "سمر" تُعد حاضنةً حيوية ومحطة ارتكاز إستراتيجية لآلاف الطيور المهاجرة والمستوطنة، كطيور النورس الأبيض العين، والأطيش، والصقور البحرية، التي تتخذ من شواطئها الهادئة وتجاويفها أعشاشًا آمنة للتكاثر.
ويزدهر بالتوازي مع هذا الغطاء الجوي النابض بالحياة، تحت مستوى سطح البحر نظامٌ بيئي عُذري؛ حيث تلتف حول الجزيرة مستعمرات من الشعاب المرجانية التي تُصنف ضمن الأكثر نقاءً وسلامةً في حوض البحر الأحمر، محتفظةً بكثافتها وألوانها الزاهية لعدم تعرضها تاريخيًا لارتدادات السياحة الجماعية والاستنزاف البشري؛ لتوفر بذلك موائل خصبة للأسماك النادرة وحاضنة طبيعية للسلاحف البحرية، مما يحول محيط الجزيرة إلى مختبر طبيعي مفتوح يستقطب النخبة من الباحثين عن السياحة المعرفية والغوص البيئي الدقيق.
و تُعد جزيرة "سِمر" وثيقة حية تعكس النضج في التعامل مع مقدرات الوطن، فالإبحار نحو هذه الجزيرة والوقوف على رمالها البيضاء ليس مجرد إحداثية جغرافية تُضاف إلى رصيد عسير السياحي، بل وجهة سياحية ولؤلؤة بحرية مميزة في منطقة عسير.

المصدر: مجلة سيدتي (8 أبريل 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق