حافظ على موروثك بطريب… فالديموغرافيا تتغيّر
يبدو أن التسمية المجازية لوادي طريب بـ «لؤلؤة الشرق» كانت سبباً في تهافت الناس من خارجه للاستقرار فيه. وهذا أمر طيب، لكن الأمر ليس كذلك فكل الأماكن لآلىء بعيون أهلها. صحيح أن الوادي يتمتع بموقع متميز في شرق منطقة عسير، وأن أجواءه وقاعه من الأفضل خلال فصول السنة الأربعة، رغم أن العجاج أصبح أقل مما كان عليه في السابق. وكم هي ممتعة ذكريات صوت الهبوب المتسربة من درايش البيت الخشبية، وما أجمل منظر أعاصير الضحى والعشي المحملة بالغبار الأصفر والبني، ولا أقصد هبوب عليّه المشرقية التي تُشقق البراطم.
يقال إن التاريخ يعيد نفسه أحياناً، وأظن أن هذا القول ليس دقيقاً؛ فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، وإنما تدور الأحداث وتتشابه صورها في ظروف مختلفة. وهذا ما يجري في كل مكان، ومن ضمنه طريب الذي يغادر اليوم مرحلة دامت قرابة مئتي عام، ليعود إلى وضع مقارب لما كان قبل ذلك من حيث التغيّر السكاني. وهذا أمر طبيعي يحدث في أماكن كثيرة.
لا يمكن إيقاف حركة التاريخ. والملاحظ أن جيلين من أبناء طريب أصبحوا وأبناءهم وأحفادهم مستقرين خارجه، وسيبقون كذلك لزمن طويل وربما إلى الأبد، ليحل محلهم آخرون قدموا من محافظات ومراكز عدة من هذا المشرق الصحراوي الجميل، وهذا أيضاً أمر منطقي وإيجابي.
وما أريد قوله هنا كنصيحة، تصب في مصلحة الأطفال الذين يولدون اليوم، هو أنه ينبغي على آباءهم عدم التفريط في الممتلكات التاريخية التي هي مسقط رؤوسهم جميعاً، والسعي إلى جعلها تحت نظام الوقف، بحيث تُخصص لذريتهم ما شاء الله أن يكون، وقد تتحول مستقبلًا إلى مَبَرّة مع تعاقب الأجيال. وإن لم يكن ذلك ممكناً، فليكن بيعها للأقارب أو الجيران، لتبقى في ملكية أهل المكان الذين يُقدَّرون أهميتها ورمزيتها التاريخية والإنسانية.
أتوقع خلال أقل من خمسة وعشرين عاماً من اليوم، أن يصبح أغلبية سكان الوادي هم الإخوة الذين جاؤا من خارجه، وسيصبحون هم أهله، لتستمر عجلة الحياة ودورة التعاقب على الأماكن، وهذا جيد، ويثري التحول لأفق مستقبل جديد ومختلف. وأقترح تشجيع الآخرين من بقية المحافظات والمراكز المشرقية على المجيء للعمل والسكن في طريب، لأن ذلك يسهم في تطوير المحافظة، ويعزز اندماج الناس ببعضهم على أساس التعاون والبناء والتخلص من بعض مفاهيم الماضي القريب المرتبطة بالموروث القبلي التي لا تتوافق مع المفهوم الحديث الذي يرى الجميع شركاء في التنمية وصناعة الحياة. والأهم أن ذلك سيساعد على تلافي أخطأ وسلوكيات ومسالك ليست جيدة كانت أو لاتزال عبىء على المجهود الأمني والإداري والتنموي بنفس الوادي الجميل الذي إليه تنتمي طاقات بشرية هائلة في أنحاء المملكة.
كتبهعبدالله غانم القحطاني
المصدر: صحيفة الرأي (4 مارس 2026م)
©